هيئة التحكيم الدائمة لدى الشركات
تحميل PDFالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالمتابع لواقع كثير من النزاعات في الشركات التي تشتمل على عدد من الشركاء عمومًا، والشركات العائلية على وجه الخصوص، يلاحظ أن كثيرًا من الوقت يمضي في الإجراءات التي تسبق عملية فض النزاعات، سواء كان فض هذه النزاعات عن طريق المحاكم المختصة أو عن طريق التحكيم أو عن طريق اللجان شبه القضائية، إلا أن الإشكالات فيما يبدو لدى هيئات التحكيم تبدو أقل، وفي هذه الورقة أحاول ذكر بعض المزايا والمكاسب جرّاء تعيين هيئة تحكيم دائمة، وتضمين ذلك إما في عقد التأسيس والنظام الأساس، أو الميثاق العائلي واتفاق الشركاء، بحسب الأحوال، ويمكن إجمال مزايا هذا المقترح فيما يلي:
أولًا: السلامة من مصايد الرفض الشكلي للدعوى
من البدهيات أنّ المتقدم بدعوى تعترضه عقبةُ القبول الشكلي لدعواه قبل النظر في موضوعها، كالاختصاص بأنواعه، واستيفاء المتطلبات التي فرضتْها الأنظمةُ لصحة إقامة الدعوى، ونظرًا لأنّ الأصل في نشاط الشركات هو النشاط التجاري، فإنّ انعقاد اختصاص النظر في نزاعاتها يكون للمحاكم التجارية في كثير من الأحيان، ولئن كانت عنايةُ المدعي بالقبول الشكلي لدعواه من الأهمية بمكان، فإنّ أهمَّ ما يجب أن يُعنى به المدعي في الدعوى التجارية هو التحقق من استيفائه لمتطلبات قبول الدعوى شكلًا لدى المحاكم التجارية على وجه الخصوص، ذلك أنّ نظام المحاكم التجارية ولائحته مليئان باشتراطات مفصّلة لقبول الدعوى شكلًا، وعلاوةً على ذلك فإنّ المحاكم التجارية اشترطت شروطًا شكلية إضافية لبعض الدعاوى، وهذه الشروط منها ما يستند إلى نظام محدّد، ومنها ما يرجع إلى طبيعة موضوع الدعوى الذي لا تَتصور فيه المحكمةُ إقامةَ الدعوى دون استيفاء بعض الشرائط التي تراها لازمة للقبول، مما يجعلها تجنح لعدم قبول الدعوى إذا لم تتحقق تلك الشروط في الدعوى محل نظرها.
وكنتُ قد أعددتُ قبل بضع سنوات دراسةً حول أسباب عدم القبول الشكلي للدعوى التجارية، فنافت على ستين سببًا، يمثّل كلُّ واحد من هذه الأسباب مصيدةً يمكن أن يقع المدعي في شَرَكها، الأمرُ الذي يفضي إلى عدم قبول دعواه شكلًا، وهذه المصايد كثيرة ومتعددة ومتنوعة، وبعضها وإن كان شكليًا إلا أنه قد يكون له أثر موضوعي، وبعضها وقع الخلاف عند بعض القانونيين في كونه يتعلق بالجانب الشكلي أو الموضوعي، لكنّه قد يؤثّر في نهاية المطاف على قبول الدعوى موضوعًا، مما ينعكس سلبًا على سقوط الحق الذي يدعيه المدعي.
والحاصل أنّ القبول الشكلي للدعوى التجارية يمثّل شبحًا أمام المدّعي، وتعيينُ هيئة تحكيم دائمة فيه السلامةُ من هذه الآفة.
ثانيًا: تجاوز الـمُدَد المنصوص عليها في الأنظمة
من مكاسب تعيين هيئة تحكيم دائمة تجاوزُ المدد المنصوص عليها في الأنظمة، سواء كانت هذه المدد منصوصًا عليها في نظام المحاكم التجارية كالمدد المتعلقة بالإخطار مثلًا، فمن المعلوم أن المنظم اشترط لجميع الدعاوى (إلا نزرًا يسيرًا) وجوبَ الإخطار، وحدّد مدة لهذا الإخطار تصل في بعض الأحوال إلى خمسة عشر يومًا، ولا يجوز رفع الدعوى قبل انقضاء هذه المدة.
وقل مثل ذلك في المدد المنصوص عليها في نظام التحكيم، فالمحتكم محتاجٌ إلى مدةٍ للبحث عن محكّم كفء، ثم بعد تعيينه عليه أن ينتظر خمسة عشر يومًا حتى يعيِّن المحتكم ضده محكّما من طرفه، ثم هما محتاجان بعد ذلك إلى الانتظار خمسة عشر يومًا وهما على أملٍ أن يتفق المحكمان على تعيين رئيس هيئة التحكيم، فإذا لم يتفق المحكمان، فيلزم التقدم للمحكمة المختصة بطلب تعيين رئيس هيئة تحكيم، وهذا يحتاج إلى إجراءات تقديم الطلب قضاءً، التي تمرّ بتدقيق قد ينتهي برفض الطلب من قبل المركز المختص، وإذا تمّت الموافقة فإنّ المحكمة ستحدّد أجلًا لتنظر في هذا الطلب، وإذا نظرتْ فيه فستَمضي مدةٌ إلى حين تعيين رئيس هيئة التحكيم، ويخطئ من يظنّ أنّ نظر المحكمة سيتجاوز الأسباب الشكلية لقبول الطلب، التي تمنع من قبول تعيين رئيس الهيئة، والتي قد يطول أمدها!
فهذه إجراءات ما قبل انعقاد جلسات هيئة التحكيم، وهي على أحسن أحوالها لا تقل عن ستين يومًا تقريبًا، وهي مدة طويلة تؤثّر في بُنْيان الشركة، وتزيد من هوّة النزاع، وربما تخلُق مساحات خلاف جديدة.
ثالثًا: توقّي ضعف كفاءة المحكمين
لا يقرر الأطرافُ تعيينَ الكفء بالضرورة في هيئة التحكيم، فالواحد منهم لا يملك إلا تعيين محكّم من جانبه، وهو إن كان قد اختار الكفء، فإنه ليس بمأمن من وقوع الاختيار على غير الكفء (في نظره) من قبَل الطرف الآخر أو من قبل المحكمة، وهذه مخاطرةٌ يمكن توقّيها بتعيين هيئة تحكيم سلفًا، يَتفق عليهم الأطرافُ قبل حصول النزاع.
والمشاهد أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين المحكمين في المعارف والمهارات، وإدراك طبيعة النزاعات التي تكون بين الشركات العائلية، وأحيانًا عدم إدراك أمور مركزية ومؤثرة جدًا في النشاط الذي تقوم عليه الشركة العائلية التي وقع النزاع بين شركائها أو المساهمين فيها.
فمن شأن هيئة التحكيم الدائمة توقّي آفة ضعف كفاءة المحكمين.
رابعًا: تقليل التكاليف
جرت العادة أن يخلو شرط التحكيم من تحديد أتعاب المحكّمين، والعمل على أنّ كل طرف يتفق مع المحكّم الذي يعيّنه على الأتعاب، ثم الطرفان قد يتفقان على تحديد أتعاب رئيس هيئة التحكيم، وقد يختلفان، وللمحكمة المختصة سلطةٌ في تقدير أتعاب رئيس هيئة التحكيم عند الاختلاف، وفيمن تعيّنه من المحكّمين، وهذه الأتعاب قد تكون عبئًا على أطراف النزاع.
ومن المحاسن التي يُرجى الظفر بها عند تعيين هيئة تحكيم دائمة تقليل التكاليف، فيمكن تضمين شرط التحكيم مقدار الأتعاب المستحقة للمحكمين، ويمكن تقنين هذه الأتعاب بحسب أحوال النزاع وتعقيدها وصعوبتها، والأمد الذي قد يُحتاج إليه للفصل فيها، وما إلى ذلك من أمور مؤثرة في ترشيد التكاليف.
فتقليل تكاليف التحكيم يتناول صورًا عدّة، وأحوالًا متنوعة، وللشركاء أو المساهمين أن يختاروا لكل حالة ما يتناسب معها من أتعاب.
خامسًا: الفصل في موضوع النزاع
من شأن هيئة التحكيم الدائمة أنها تفصل في موضوع النزاع في وقت سريع، فلا تعرض لهيئة التحكيم في الغالب والعادة آفةُ الجمع بين الطلبات، إذ إنّ المحكمة المختصة كثيرًا ما تجنح إلى النظر في طلب واحد فقط من طلبات المدعي؛ استنادًا منها على منع الجمع بين طلبات لا رابط بينها، وإن حاول المدعي الاستدلال على ثبوت هذه الروابط، إلا أنّ تحديد ثبوت هذه الروابط بين الطلبات من عدمها مردّه للمحكمة، التي تميل غالبًا إلى فصل الطلبات في دعاوى متعددة، وكثيرٌ من النزاعات تتطلب النظر في عدد من الطلبات دفعة واحدة لحسم النزاع مرة واحدة، وهذا لا يتأتى إلا من خلال التحكيم.
وإذا باشرت هيئة التحكيم أعمالها، وبدا للأطراف أن يطلبوا منها الفصل في طلبات لم يتفقوا سلفًا مع الهيئة بشأنها، فللهيئة حينئذٍ أن ترفض طلبهم، وتحيلهم إلى إجراء تحكيم جديد، أما هيئة التحكيم الدائمة فهي معنيّة بقبول جميع الطلبات والفصل في موضوع النزاع، وفقًا لما هو منصوص عليه في شرط التحكيم.
سادسًا: تجاوز تعدد المرجعية
من فوائد تعيين هيئة التحكيم الدائمة تجاوز تعدُّد المرجعية، فتعددُ المرجعية لا سيما في الشركات ذات الاتصال بعدد من الجهات كالشركات التي لها صلة بهيئة السوق المالية، وصلة بالبنك المركزي، وصلة بوزارة التجارة، وربما صلة بوزارة الاستثمار وغيرها من الجهات، فإنها تعاني من تحدٍّ مؤثّر وهو: التشتّت.
فتعدد المرجعية من شأنه أن يشتّت المدعي فيضيع بين هذا التنوع وهذا التعدد، في حين أن وجود هيئة دائمة لدى الشركة العائلية أظن أنه سيتجاوز كثيرًا من هذه الإشكاليات، ومن شأنه اختصار كثير من الوقت والجهد.
سابعًا: بقاء النزاع طيّ الكتمان
الشركاء الواعون في الشركات عمومًا، والشركات العائلية على وجه الخصوص حريصون على سمعة الشركة، لأنهم يعلمون أن سمعة الشركة من رأس مالها، وتؤثّر إيجابًا أو سلبًا على التعامل معها والتعاقد معها، وربما أثّرت في خفض ائتمانها لدى جهات التمويل، وفي قيمة أسهمها أو حصصها، وفي رغبة المشترين في شراء أسهمها أو حصصها، إلى غير ذلك.
أضف إلى ذلك أنّ لدى كثير من العوائل حساسية من شيوع خبر النزاع بينهم، وهم في سبيل المحافظة على سرّ الخلاف مستعدّون لبذل ما يستطيعون من أجل إبقاء النزاع طيّ الكتمان.
فهيئة التحكيم الدائمة تفي بهذا الغرض، وتحقق هذه المقاصد، وترمّم الخلاف سريعًا، فلا يظهر تصدّعه للناظر إليه.
ثامنًا: تقليل تدفّق الشكاوى للجهات الحكومية ذات الصلة، ومنع إشغال الجهات الحكومية
كثير من الشكاوى الباعث عليها البحث عن حلّ، أو التشغيب على الخصم بسبب عدم وجود حلّ جذري يحسم موضوع النزاع، فترى الشريك أو المساهم يضرب في كل واد ويشتكي ما وَسِعه، وربما كان الباعث على هذه الشكاوى محاولة الشريك أو المساهم بناء حزمة من الأدلة من صنع يده، احتياطًا منه لعله يحتاج إلى الاستناد إليها مستقبلًا، فيأتي دور هيئة التحكيم الدائمة ليقضي على بكتيريا الخلاف في الوقت المناسب.
ما سبق بعض ما رأيتُه من فوائد تعيين هيئة تحكيم دائمة، وهذه بعض التوصيات المهمة عند تعيين هيئة تحكيم دائمة:
التوصيات
- من المقترحات أن يكون تعيين هذه الهيئة الدائمة بشكل دوري في كل ثلاث سنوات مثلًا، بحسب ما يراه الشركاء، سواء كان ذلك مضمّنا في اتفاقية الميثاق العائلي أو في اتفاقية الشركاء أو في النظام الأساس أو في عقد التأسيس بحسب الأحوال، وفائدة هذا القيد تلافي بعض الإشكالات التي قد تطرأ على هيئة التحكيم كالقصور أو التقصير أو العوارض كالوفاة أو تبيّن ضعف الكفاءة، أو ما أشبه ذلك.
- المرونة في تعيين رئيس هيئة أو محكم فرد بحسب الأحوال، فقد يرى الأطراف، لا سيما في الشركات الصغيرة وربما المتوسطة عدم الحاجة إلى تعيين رئيس هيئة تحكيم في كل نزاع، فلهم أن يفصّلوا في شرط التحكيم الأحوال التي يرون فيها ضرورة تعيين هيئة تحكيم، والأحوال التي يُكتفى فيها بتعيين محكم فرد، والعوامل المؤثرة في اختيار الأنسب هي قيمة النزاع، وموضوعه، وتعقيده، أو يُنص شرط التحكيم على تعيين هيئة تحكيم تختص بنظر جميع النزاعات بين الشركاء، وللشركاء أن يكتفوا بمحكم فرد إذا كان موضوع النزاع يسيرًا، ويكون المحكّم الفرد حينئذٍ هو رئيس هيئة التحكيم أو من يختاره الرئيس من أعضاء الهيئة.
- ويجب أن تتم صياغة شرط التحكيم بدقة، وبما يتناسب مع حال الشركة، وذلك لئلا يكون شرط التحكيم نقمة بدلًا من أن يكون نعمة.
فالحاصل أنّ تعيين هيئة تحكيم دائمة يشتمل على جميع هذه المكاسب، ويتلافى كثيرًا من العقبات والتعقيدات، والمدد، ويختصر كثيرًا من الجهد والوقت، بل ويوفّر المال في كثير من الأحيان.
هذه خواطر عجلى من واقع تجربة عملية في صياغة عدد من المواثيق العائلية واتفاقيات الشركاء، وثمة تفاصيل ضاق عنها المقام، ولا أدعي أنه يمكنني تعميم هذه التجربة؛ لأنها تحتاج إلى سبر وتقويم واختبار لمدى فاعليتها، ولكنني في قرارة نفسي مقتنع بها تمامًا وأنصح بها، فحسب التجارب التي مرت بي لم أجد فيها ما يوجب العدول عنها، وإن وُجد فيها ما قد يستشكله البعض، فإنها إشكالات مغمورة في بحر حسناتها، وهي إشكالات على فرض وجودها أقل من الإشكالات التي توجد عند انعدام هيئة تحكيم دائمة، كما أنّه يمكن ابتكار بعض الحلول لتجاوزها، وأملي في المركز الوطني للشركات العائلية، والجهات ذات العلاقة أن تتولى دراسة هذا الموضوع دراسة علمية من واقع عملي وعلمي، ورصد مثل هذه الممارسات وتحليل البيانات، وربما عقد لقاءات أو ورش عمل ومجموعات تركيز، أو ما أشبه ذلك، من أجل الخلوص إلى نتيجة علمية أكثر نضجًا من هذه الورقة التي تعبر عن تجربة شخصية.
والله الموفّق
