هل الشرع مطهرة؟!
تحميل PDFالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد لاحظتُ تساهلَ كثير من الناس حين يكون موقفُهم القضائي قويًّا وموقفُ خصمهم ضعيفًا يظنّون أنه إن حُكم لصالحهم فإنّ ذمّتهم تبرأ ولو كانوا مبطلين، وأنه لا يلزمهم شيء ولا إثم عليهم ولا يلحقهم شيء في الدنيا ولا في الآخرة، وأنّ حقّ الخصم يكون هدرًا بمجرّد الحكم القضائي!
وأريد أن أقول لهؤلاء المبطلين دونكم قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَالَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَـٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟ بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقًا مِّنۡ أَمۡوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾
روى الطبري بسنده عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (هذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحدُ المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما) وقال مجاهد: (لا تخاصم وأنت ظالم).
وجاء في تفسير الطبري (كان يقال: من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. واعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يُحلّ لك حراما ولا يُحِقّ لك باطلا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرَى ويشهدُ به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب. واعلموا أنه من قد قُضي له بالباطل، فإن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيَقضي على المبُطل للمحق، بأجود مما قُضي به للمبطل على المحقّ في الدنيا)
وعن قتادة في قوله: “وتدلوا بها إلى الحكام” قال: لا تُدْلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك.
وقال السدّي: (يظلم الرجلُ منكم صاحبَه، ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم، فذلك قوله: (وتدلوا بها إلى الحكام).
وقال ابن زيد: (يكون أجدلَ منه وأعرَف بالحجة، فيخاصمه في ماله بالباطل ليأكل ماله بالباطل. وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
فمن ظنّ أنّ الحكم القضائي يطهّره فهو جاهل آثم، والويل له من عذاب الله، وليُبشر بقطعة من النار يصلى بها يوم القيامة إلا أن يتوب الله عليه ويردّ المظالم لأهلها.
وأما قول العوام عن الحكم القضائي (الشرع مطهرة) فهو غلطٌ من ثلاثة أوجه: الأول: تسمية الحكم القضائي شرعًا، وهذا غير صحيح. والثاني: ظنُّهم بأنّ حكم القاضي يُحل الحرام أو يحلّل الحرام.
فحكم القاضي ليس هو الشرع، وإنما هو اجتهاد يخطئ ويصيب، فالشرع صواب مطلق لا يدخله الخطأ بوجهٍ من الوجوه، وأما الحكم فهو تطبيق القاضي لما يرى أنه الشرع، فقد يخطئ في معرفة الحكم الشرعي، ولو علم به على نحو صحيح فإنه قد يخطئ في تنزيل الحكم على واقعة لا تصلح له.
ولا يصح أن يُسمّى حكمُ القاضي شرعًا، وهو تصرفٌ بشري غير معصوم، يتطرّق له الخطأ والوهم والنسيان والغفلة، والشرع مُنزّه عن هذه الآفات، بل تسميته بذلك جناية على الشرع، وتنفيرٌ منه، لا سيّما إن جانب القاضي الصواب.
وبعد هذا تعلم فساد ما يقوله العوام إن (الشرع مطهرة) لأنّك قد رأيتَ أنّ الشرع مطهرة بلا ريب، ولكنّ حكمَ القاضي ليس شرعًا، ومن ثَمّ فليس حكمُه مطهرة إن خالف الصواب، بل قد يكون وبالًا وإثما وذنبًا لا يُغسل إلا بالتوبة وردّ الحقوق أو بالنار، فإنّ الله لم يخلق النار إلا لتطهّر النفوس والأبدان التي لم تتطهّر من رجس الذنوب.
كما أنّ من المهم التنبيه إلى الظلم الذي يقع من بعض الناس في المماطلة وتأخير أداء الحقوق مع القدرة، فقد اعتاد بعضهم تأخير أداء الحقوق إلى أهلها وإلجاءَهم إلى القضاء ليستوفوا حقهم، ويرفع اللئيمُ عقيرته بقوله: لم أجحد حقه، ولم أنقص منه شيئًا، فمن أدى الحق بعد مماطلة فهو ظالم آثم، ألا فليتّق الله من يفعل ذلك، فإنّ فعله هذا ظلم بنصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين حين قال: (مَطْل الغني ظلم) فإذا كان مجرّد تأخير أداء الحقوق ظلمًا، فما ظنّك بنقصها، فضلًا عن جحودها وإبطالها.
أليس الشرع مطهرة؟
جاء أنّ إقامة الحد كفارة ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:
فالشرع مطهرة إن التزمتَ به ظاهرًا وباطنًا، الشرع مطهرة إن راقبت الله في خلواتك وجلواتك، الشرع مطهرة إن راقبت الله في تصرفاتك، الشرع مطهرة إن التزمتَ به، وأما حكم القاضي فليس هو الشرع، فإن حَكم لصالحك وأنت مبطل فقد قَطع لك قطعة من النار، وإن حَكم لك وأنت محق فاحمد الله.
والله الموفق
