إشكالات الوصية المشاعة
اتفقت المذاهب الأربعة على جواز الوصية المشاعة، وهي أن يقول الموصي مثلًا: إذا متُّ فثلث مالي صدقة، كما نصّت المادة (189) من نظام الأحوال الشخصية على جوازها، وجوازُ الفعل شرعًا أو نظامًا لا يلزم أن يكون مندوبًا إليه بالضرورة، ومن المعلوم بداهةً الفرق بين الجائز والمستحب.
والناس قديمًا كانوا يتسامحون في الوصية بالمشاع لقلة أموالهم، وسهولة فرزها، أما في هذا الوقت ففاض المالُ وكثُر وتنوّع، فهناك أنظمةٌ مرعية، وإجراءاتٌ قانونية، ومتطلبات كثيرة، ومرجعيات متعددة، وموافقات لا بدّ منها قبل فرز ثلث أي نوع من أنواع المال، فالإنسان (البسيط) اليوم لديه أموال متنوعة، ما بين عقار ونقد في حسابات بنكية ونقد حاضر (كاش) وأسهم في شركات، وربما حصص في شركة أو أكثر ومؤسسة تجارية أو أكثر، إلى غير ذلك.
فالوصية لها اتصال بمحكمة الأحوال الشخصية وكتابة العدل والهيئة العامة للأوقاف وهيئة السوق المالية والبنك المركزي…الخ، وربما تعلّق بها موافقة جهات أخرى كالهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين وغيرها.
وإذا أوصى الشخص بوصية مشاعة من ماله، فيلزم الورثة أن يخرجوا ثلث كل مال من أموال المورّث، فيخرجوا ثلث قيمة أسهمه، وثلث قيمة حصصه في الشركات التي يملكها، وثلث قيمة عقاراته، وثلث المبالغ الموجودة في كل حساب من حساباته البنكية…الخ
والحقيقة أنّ الوصية بالمشاع فيها مشقة كبيرة على الورثة وتعطيلٌ لقسمة التركة، وربما بخسٌ لقيمة كثيرٍ من أصول التركة، مما قد يترتب عليه إضرار بالورثة وبالوصية أيضًا، هذا كله إذا كان الموصي إنسانًا (عاديًّا) أما إذا كان ذا ثروة وتنوّع في الأموال والاستثمارات، فلا تَسَلْ عن العذابات التي ستلحق ورثته.
على أنّه ينبغي أن يُعلم أن الصدقة في حال الحياة خيرٌ من الصدقة المعلقة بالممات، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر وتأمُل الغِنى، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان». متفق عليه
والنصيحة الموجزة في هذا المقام أن يَقِفَ الشخصُ المقتدر حال حياته مالًا معيّنًا يكون وقفًا منجّزًا، أو أن يوصي بمالٍ معيّن، كأن يوصي بأني إذا متّ فإنّ هذا العقار يكون وقفًا، ويحدّد الأعيان الموقوفة أو الموصى بها، حتى يرتفع الحرج عن الورثة، وذلك كله بعد استشارة المختصّين، فما يصلح لزيدٍ من الناس لا يلزم أن يكون لكل أحد.
نعم، عالج نظامُ الأحوال الشخصية، ولائحةُ قسمة الأموال المشتركة وغيرُها بعضَ آثار الوصية بالمشاع، إلا أنّ الوقاية خيرٌ من العلاج.
إشكالات الوصية بالمشاع
-
صعوبة حساب الوصية المشاعة، وتزيد هذه الصعوبة بحسب كثرة المال ووفرته، وتنوعه، وتفرقه في الدول والمدن، واختلاف أوعيته القانونية الحاوية له.
-
طول وقتِ حصرِ الأموال الموصى بها، ومع الإشادة بالجهد المشكور لوزارة العدل في تبنّي (منصة التركات) وتسهيلها كثيرًا من أعباء حصر التركات، إلا أنّ هناك أحوالًا لا يرتفع بها الحرج عن الورثة؛ لكون أعمال المنصة لا تتناولها، وهذا أمر لا يخفى على من له عناية بهذا الأمر.
-
طول إجراءات بيع العقارات المشتملة على الوصية، إذ إنه لا يمكن بيع العقارات المشتملة على وصية أو وقف إلا بعد استئذان المحكمة كما هو معلوم، وعلى الرغم من التسارع والتطور الملحوظ لدى المحاكم أكثر من ذي قبل حيال هذا الإجراء، إلا أنّه ما زال يستغرق وقتًا طويلًا إذا ما قورن بالعقارات الأخرى التي لا تشتمل على وصية أو وقف.
فالإجراءات متعددة وطويلة، بدءًا من تعيين مقيّمين معتمدين لتقدير قيمة العقار، ومرورًا بتقديم الطلب إلى المحكمة المختصة، ثم نَدْب المحكمة خبيرًا من طرفها للتحقق من عدالة التقييم المقدّم لها للعقار المطلوب بيعه، ثم صدور الحكم الابتدائي بالإذن، ثم خضوع هذا الحكم للتدقيق الوجوبي من محكمة الاستئناف، وصدور حكم منها بذلك، ثم وقتٌ يمضي في إجراءات بيع العقار المشتمل على الوصية، وفي استصدار الشيكات الخاصة بالوصية وتسليمها للهيئة العامة للأوقاف، ومخاطباتٌ بين كتابة العدل والهيئة العامة للأوقاف للتحقق من استلام الهيئة لثمن نصيب الوصية من العقار.
فلا تسلْ عن كثرة عدد المشترين الذين عَدَلوا عن شراء عقاراتٍ اشتملت على وصية. وقد يحصل للعقار هبوط أو يكون التقييم أكثر من سعر المثل، ويؤثر ذلك على إمكانية بيع العقار، مما قد يتطلب إعادة التقييم مرة أخرى، وإعادة جميع الإجراءات السابقة! وهذا يعني استغراق مزيد من الوقت، والمزيد من التكاليف أيضًا.
-
اختلاف الأنظمة المتعلقة بكل عين من أعيان الوصية، فكل عين من أعيان الوصية له مرجعية نظامية تختلف عن العين الأخرى، فمن أوصى بوصية مشاعة وله أسهم في شركات مساهمة مدرجة، أو شركات مساهمة مقفلة، أو شركة مساهمة مبسطة، وله حصص في عدد من الشركات ذات المسؤولية المحدودة مثلًا، وعقارات هنا وهناك…الخ، فعليه أن يستحضر أن فرز كل عين من هذه الأعيان يخضع لإجراءات خاصة به وفق تنظيم الجهة المشرفة على هذه الأعيان، وربما تطلّبت عمليةُ فرز بعض الأعيان مراجعةَ أكثر من جهة مشرفة، وهذا يعني مزيدًا من معاناة الورثة، كما أنه يزيد من معاناة القائمين على الوصية أيضًا. أما إذا كانت أعيان الوصية متفرّقةً في عدد من الدول فالعبء كبيرٌ جدًّا، فاختلاف أنظمة الدول التي توجد بها أعيان الوصية يرتّب مزيدًا من المصروفات، وكثيرًا من المتاعب، وتوكيلًا بمقابل لمن يتولى هذه الإجراءات، إلى غير ذلك من سلاسل المعاناة الممتدّة.
-
اختلاف المرجعية القضائية لأعيان الوصية المشاعة، فمع أنّ الأصل المحكم اختصاص محكمة الأحوال الشخصية بما يتعلق بالوصية، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالإثبات أو المنازعات أو الفرز أو البيع أو غير ذلك من أحكام، إلا أنّ للمحكمة التجارية صلة إذا كانت عين الوصية أسهمًا أو حصصًا في شركات، وهذا يزيد الكلفة في الوقت والجهد والمال، بل قد يُفضي في بعض الأحيان إلى تنازع في الاختصاص، وربما تضارب في الأحكام القضائية.
-
خسارة جزء من التركة والمال الموصى به جرّاء طول الوقت وصعوبة الإجراءات اللازمة لفرز الوصية أو بيع العقارات المشتملة على الوصية، ومن أوجه الخسارة قلة رغبة المشترين في العقارات المشتملة على وصية أو وقف؛ لعلمهم بالآفات التي تعترضهم عند شرائها.
وقد أسّس ذلك لسوق عقارية لدى بعضهم، فصار يقتنص شراء العقارات المشتملة على وقف أو وصية بدون سعر مثلها، طمعًا في تحقيق ربح بيعها بسعر مثلها!
-
تكاليف متطلبات الإذن ببيع العقارات، فقد جرى العمل على أنّ من متطلبات استئذان المحكمة عند بيع العقار المتضمن لوصية أو وقف تقديمَ تقييمَين من مقيّمَين معتمدَين من الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين، وهذا التقييم له تكلفة تختلف باختلاف نوع العقار وحجمه، فإذا كثرت العقارات زادت التكلفة تبعًا لذلك، وهي وإن كانت تكلفةً محتملة بعض الشيء، إلا أنه ينبغي أخذها بالـحُسبان؛ لأنه قد يترتب عليها قرار التوصية بالمشاع من عدمها، لا سيما إن كان المال يسيرًا.
وقد رأينا من عدل عن فرز الوصية المشاعة أو تأخر فيها بسبب عجزه عن دفع تكاليف فرزها عن التركة.
-
تأخّر أجر الموصي، فإنّ الموصي أحوج ما يكون لوصول الأجر له في أقرب وقت، وقد علمتَ أنّ فرز الوصية بالمشاع تستغرق وقتًا، وربما لَبثَ الموصي عُمُرًا يرقب أجور وصيّته العالقة بين متاهات الإجراءات.
يغيب عن عدد من الموصين كل هذه المخاطر والمفاسد، وهذا يؤكّد ضرورة توعية الواقفين والموصين بآثار الوصية بالمشاع، والآثار الشرعية والقانونية والقضائية، والإجراءات التي تعقب الوصية بالمشاع، ففيها في هذا العصر مفاسد كبيرة كثيرة، والأنفع للموصي وللوصية وللورثة أن تكون الوصية بمعيّن، لا مشاع.
ما تقدم حديثٌ عن الوصية بجميع أعيان التركة وصيةً مشاعة، وبعد استعراض آفاتها قد يتبادر للذهن سؤال معتبر وهو: هل كل وصية مشاعة مفاسدُها أكثرُ من مصالحها وأضرارُها أكثرُ من فوائدها؟ ومتى يكون اتخاذ قرار بالوصية بالمشاع سليمًا؟
ها هنا حالةٌ واحدة تحضرني قد تكون فيها الوصية المشاعة مقبولة، وهي ما إذا كانت وصيةً مشاعةً في عين محدّدة، كما لو أوصى شخص ببعض شركة قائمة (أ) مثلًا، أو أوقف الثلث منها وقفًا منجّزًا، واستُوفيت جميع المتطلبات التي تحقق بإذن الله الضمانات الكافية لنجاح الوقف أو الوصية، فهذه الوصية المشاعة قد تكون ناجحة، ومع ذلك فلا يمكن إبداء نصيحة عامة في الحثّ على الوصية بالمشاع، ولو كان هذا المشاع في مال معيّن؛ لأنّ ذلك يفتقر إلى التحقق من مقوّمات النجاح التي تكفل بإذن الله سلامة الوصية من الإشكالات.
ويرى بعض الموصين الواعين أنّ الوصية في مثل هذه الحال فيها مزايا:
- الأولى: أنّه قد تكون الشركة الموصى بثلثها من الشركات المتميّزة ولها قيمة خاصّة عند مالكها، فذلك أعظم أجرًا له؛ لأنّ إنفاق الإنسان من المال المحبوب له أعظم أجرًا من إنفاق ما دونه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين». فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه
- الثانية: اشتمال الشركة على قيمة وعلامة تجارية صُنعت على مدى عقود من الزمان، وهذه العلامة بلا ريب تؤثر في قيمة الشركة وفي قيمة أسهمها، وإذا استمرّت الشركة في أداء متميّز فستزيد قيمتها وتتضاعف، ولا يرغب المالك في التخلّي عنها، فتكون الوصية ببعض هذه الشركة فيها حظوة للموصي وللوصية وللجهات الموصى لها.
- الثالثة: نضج الشركة من حيث المسؤوليات والصلاحيات والأدوار، مقارنةً بالوصايا البسيطة، مما ينعكس على نحوٍ إيجابي على الوصية ومصارفها.
- الرابعة: حرص المساهمين على نجاح الشركة مما يكون له أثر بالغ في تجويد الشركة وعملها، فهم في مركب واحد، ومخاطرهم وفرصهم وأرباحهم وخسائرهم واحدة، ولذلك أثرٌ طيّب في العناية بالوصية واستدامتها وتنمية أصولها وسلامتها من الآفات.
التوصيات
- ضرورة توعية الواقفين والموصين بآثار الوصية المشاعة، والآثار الشرعية والقانونية والقضائية، والإجراءات التي تعقب الوصية بالمشاع، ففيها في هذا العصر مفاسد كبيرة كثيرة، والأنفع للموصي وللوصية وللورثة أن تكون الوصية بمعيّن، لا مشاع.
- التوعية بإشكالات الوصية المشاعة، وضرورة اضطلاع الهيئة العامة للأوقاف والجهات المتصلة بها والجمعيات والمراكز والمحامين والمستشارين بهذا الدور.
- دراسة مدى جدوى منع الوصية المشاعة ابتداءً، وقصر التعامل على أمرين:
- الممارسات الواعية في التعامل مع الوصية المشاعة، مثل الوصية بمشاع في معيّن في الشركات وفق التفصيل المذكور في هذه الورقة.
- المعالجات الضرورية للوصايا المشاعة القديمة.
- دراسة آليات تحدّ من الآثار غير المحمودة للوصية المشاعة على المال الموصى به والتركة والورثة، وتمنح الجهة القضائية أو الهيئة العامة للأوقاف الصلاحيات اللازمة لذلك.
والله الموفّق
